جعفر بن البرزنجي

361

الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر ( ص )

العدم فانحصر فيها مبالغة . وعبارة الفخر الرازي : إن قيل : كيف قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 1 » مع أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لم يكن رحمة للكافرين الذين ماتوا على كفرهم بل نقمة ، إذ لولا إرساله إليهم لما عذبوا بكفرهم لقوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 2 » قلنا : كان رحمة للكافرين أيضا من حيث إن عذاب الاستئصال أخّر عنهم بسببه ، أو كان رحمة عامة من حيث إنه جاء بما ينقذهم من العذاب إن اتبعوه ، ومن لم يتبعه فهو الذي قصر في حق نفسه من الرحمة ، ومثله عليه الصلاة والسلام كمثل عين عذبة فجّرها اللّه تعالى فسقى ناس زروعهم ومواشيهم منها فأفلحوا ، وأفرط ناس في السقي منها فلم يفلحوا ، فالعين في نفسها نعمة من اللّه للفريقين ورحمة وإن قصّر البعض . أو أن المراد بالرحمة : الرحيم ، وهو صلى اللّه عليه وسلم كان رحمة للفريقين بمعنى رحيما عليهم ؛ ألا ترى أنهم لما شجّوه يوم أحد وكسروا رباعيته خرّ مغشيا عليه ، فلما أفاق قال : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » « 3 » . ولما خرج إلى الطائف حين ناله من قريش ما ناله ، ودعا أهلها فأغروا به سفهاءهم ، ولقى منهم أشد مما لقيه يوم أحد ، ومع ذلك فلما جاءه جبريل ومعه ملك الجبال ليأمره في قومه بما شاء ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه تعالى وحده لا يشرك به شيئا » وعند ذلك قال له الملك : « أنت كما سمّاك ربك رؤوف رحيم » . وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء اللّه تعالى في محله .

--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 107 . ( 2 ) سورة الإسراء : 15 . ( 3 ) الدر المنثور ( 2 / 298 ) ، إتحاف السادة المتقين ( 8 / 258 ) ، مناهل الصفا ( 1655 ) .